مزارعون في الرقة يلجؤون إلى سيلاج الذرة لتوفير السيولة وسداد الديون

قيس حمود ـ الرقة

قبل نحو شهر أو شهرين من الموعد المعتاد لحصاد الذرة الصفراء، بدأ مزارعون في ريف الرقة بيع محاصيلهم وتحويلها إلى سيلاج علفي، في خطوة يقولون إنها جاءت تحت ضغط الحاجة إلى السيولة وسداد الديون وتغطية تكاليف الموسم، بالتزامن مع تأخر صرف مستحقات محصول القمح وغياب مجففات الذرة في المحافظة.

وتتراوح قيمة تضمين الدونم الواحد من الذرة الصفراء، بحسب مزارعين، بين 100 و200 دولار، فيما يوفر تحويل المحصول إلى سيلاج خياراً سريعاً لتصريفه، ويجنب المزارعين جزءاً من تكاليف الحصاد والتجفيف والنقل والتسويق، خصوصاً مع مخاوف من الأمطار التي قد تعيق الحصاد التقليدي خلال الخريف.

السيولة أولاً.. حتى قبل نضج المحصول

إبراهيم الكسوم، مزارع من قرية العكيرشي بريف الرقة، يقول لنورث برس إنه اضطر إلى بيع محصول الذرة الصفراء كسيلاج قبل نحو شهرين من موعد حصاده، لتأمين ثمن السماد والبذار والأدوية، في ظل عدم حصوله على مستحقاته عن محصول القمح حتى الآن.

ويشير الكسوم إلى أن الديون المرتبطة بالموسم الزراعي لا تنتظر موعد نضج المحصول، إذ يطالبه أصحاب مستلزمات الإنتاج بتسديد مستحقاتهم، ما دفعه إلى بيع الذرة رغم عدم اكتمال نضجها.

ويضيف أن المزارعين لم يجدوا أمامهم خيارات كثيرة، في ظل عدم توفير مجففات للذرة أو تحديد أسعار واضحة لاستلام المحصول، معتبرًا أن البيع المبكر أصبح وسيلة لتأمين الأموال اللازمة لتسديد الالتزامات المتراكمة.

ويرى الكسوم أن ارتفاع تكاليف الزراعة وتأخر المستحقات يدفعان المزارعين إلى تحمل الخسائر، محذرًا من أن استمرار الظروف الحالية قد يجعل العمل الزراعي غير مجدٍ بالنسبة لهم.

ديون الموسم السابق

أما المزارع بكار الغنام، فيربط لجوءه إلى بيع الذرة كسيلاج بغياب مجففات الذرة في المنطقة وحاجته إلى تسديد ديون تعود إلى الموسم الزراعي السابق.

ويقول لنورث برس إن تكلفة زراعة الدونم الواحد بلغت نحو 100 دولار، معظمها دُفعت بالدين، وشملت البذار والأسمدة وأجور العمال والسقاية، مشيرًا إلى أنه لم يتمكن حتى الآن من دفع أجرة عامل الري.

ويضيف أن اختيار السيلاج يتيح التخلص من المحصول دون الحاجة إلى تجفيفه بالطريقة التقليدية، وهي عملية قد تصبح أكثر صعوبة مع اقتراب موسم الأمطار، فضلًا عن تكاليف الحصاد والتنظيف والنشر والتسويق.

ويشير الغنام إلى أن مستحقات محصول القمح للموسم السابق لم تُدفع رغم مرور نحو شهرين ونصف على موعد استحقاقها، الأمر الذي دفعه، كما يقول، إلى البحث عن مصدر سريع للسيولة لتغطية ديونه.

ويرى أن استمرار تأخر مستحقات المحاصيل الزراعية بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج يجعل الاستمرار في الزراعة أكثر صعوبة بالنسبة للمزارعين.

ارتفاع مستلزمات الإنتاج يغيّر حسابات المزارعين

ويواجه المزارع غزال الرحيل الظروف ذاتها، إذ اضطر إلى بيع محصول الذرة وتحويله إلى سيلاج رغم بقاء نحو شهرين على موعد حصاده، بهدف تسديد الديون والمصاريف المتراكمة من موسم القمح.

ويقول الرحيل لنورث برس إن سعر كيس السماد ارتفع من نحو 35 دولاراً نقداً إلى 47 دولاراً بالدين، فيما لم يكن قد حصل حتى 15 أيلول/سبتمبر على مستحقاته عن محصول القمح الذي سلّمه في 21 حزيران/يونيو.

ويضيف أن ارتفاع تكاليف الإنتاج شمل أيضاً أجور الحصاد والوقود، إذ ارتفعت أجرة حصاد دونم القمح من نحو 20 دولاراً إلى قرابة 30 دولارًا، بالتزامن مع ارتفاع سعر المازوت من نحو 11 ألف ليرة إلى 17,500 ليرة.

وبحسب الرحيل، تصل تكلفة زراعة دونم الذرة الصفراء إلى نحو 100 دولار قبل احتساب أجور الحصاد والحراثة، وقد ترتفع التكلفة الإجمالية إلى قرابة 140 دولارًا للدونم.

ويخشى الرحيل من عدم قدرة الجهات الحكومية على استلام محصول الذرة بعد نضوجه، في ظل غياب مجففات الذرة في الرقة ومخاطر هطول الأمطار اعتبارًا من تشرين الأول/أكتوبر، وهو ما يزيد من دوافع البيع المبكر.

ويرى أن تأخر مستحقات القمح، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات والآلات الزراعية، يدفع المزارعين إلى إعادة النظر في خياراتهم، مشيرًا إلى أنه قد يتجه مستقبلًا إلى زراعة الفصة والشعير بدلًا من القمح والذرة الصفراء.

السيلاج.. بديل عن التجفيف التقليدي

في المقابل، يوفر مشروع حصاد الذرة وتحويلها إلى سيلاج خياراً مختلفاً للمزارعين، عبر حصاد المحصول في مرحلة مبكرة بدل انتظار اكتمال نضجه وتجفيفه.

أحمد الحسين، سائق حصادة السيلاج، يقول لنورث برس إن العملية تتم حالياً باستخدام آليات حديثة ضمن مشروع جديد في سوريا، بعد أن كانت عملية حصاد السيلاج تعتمد بصورة أكبر على آليات تقليدية مثل الجرارات والشاحنات.

ويوضح أن الآليات الحديثة تقوم بتقطيع الذرة وتكسير حبوبها وتجهيزها بطريقة تساعد على سرعة التخمير وتحسين جودة السيلاج، ليصبح مناسبًا لتغذية الأبقار والأغنام سواء لإنتاج الحليب أو التسمين، إلى جانب استخدام مكابس حديثة لتجهيز المنتج.

وبحسب الحسين، يمكن حصاد الذرة المخصصة للسيلاج بعد نحو 80 إلى 90 يوماً من زراعتها، بدل انتظار نحو أربعة أشهر لحصادها كذرة صفراء، ما يوفر للمزارع وقتاً ويخفف تكاليف الحصاد والنقل والتجفيف والنشر على الطرقات والتسويق.

كما يتولى فريق العمل مراحل العملية من الحصاد إلى النقل، ما يخفف عن المزارعين جزءاً من الأعباء المرتبطة بتصريف المحصول.

مشروع يوفر علفًا وفرص عمل

إسماعيل البدر، صاحب فكرة مشروع حصاد السيلاج في الرقة، يقول لنورث برس إن المشروع حقق نتائج جيدة كمحصول علفي، وأتاح للمزارعين الاستفادة من الذرة قبل موعد حصادها التقليدي.

ويوضح البدر أن بعض المزارعين تمكنوا من حصاد الذرة خلال نحو 70 يوماً وتحويلها إلى سيلاج، ما ساعدهم على خفض جزء من تكاليف الإنتاج، بالتوازي مع توفير فرص عمل في الحصاد والنقل والكبس والتعبئة، قد يصل عدد العاملين فيها إلى نحو 100 شخص.

ويشير إلى أن السيلاج يوفر للأبقار والأغنام مادة علفية بتكلفة أقل مقارنة بالأعلاف المركزة، كما يمنح المزارع فرصة لتجهيز أرضه لموسم زراعي جديد بعد الحصاد المبكر، بدل انتظار اكتمال دورة الذرة التقليدية.

وبين حاجة المزارعين إلى السيولة، وتأخر مستحقات القمح، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وغياب البنية اللازمة لتجفيف الذرة، يتحول السيلاج في ريف الرقة من خيار علفي إلى حل سريع لتصريف المحصول وتخفيف أعباء الموسم، وإن كان ذلك يعني بالنسبة لبعض المزارعين التخلي عن انتظار اكتمال محصولهم وبيعه في موعده التقليدي.

تحرير: تيسير محمد